الشيخ محمد رشيد رضا
267
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
منفذا لحكم الشرع - كالشحنة وهو صاحب الشرطة - وأن القضاة مستقلون بالحكم لأنهم يحكمون بالشرع العادل المساوي بين الناس وقد اقتبس الصليبيون منه طريقة حكمه ثم درسوا تاريخ الاسلام فعرفوا منه ما جهله أكثر المسلمين المتأخرين حتى أسسوا حكم دولهم على قاعدة سلطة الأمة التي جاء بها الاسلام ، وصاروا يدعونها لأنفسهم ، ويعيبون الحكومات الاسلامية باستبدادها ، ثم بجعل الاسلام نفسه سبب هذا الاستبداد والحكم الشخصي ، وصار المسلمون يصدقونهم وبري المشتغلون بالسياسة وعلم الحقوق منهم انه لا صلاح لحكوماتهم إلا بتقليدهم ، فكان هذا من أسباب ضياع أعظم مزايا الاسلام السياسية التشريعية وذهاب أكثر ملكه ( أصول التشريع في الاسلام ) المعروف عند جمهور أهل السنة ان أصول التشريع الأساسية أربعة ( 1 ) القرآن المجيد ، والمشهور عند علماء الأصول ان آيات الاحكام العملية فيه من دينية وقضائية وسياسية لا تبلغ عشر آياته ، وعدها بعضهم خمسمائة آية للعبادات والمعاملات ، والظاهر أنهم يعنون الصريح منها وأكثرها في الأمور الدينية لان أكثر أمور الدنيا موكولة إلى عرف الناس واجتهادهم ( 2 ) ما سنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للعمل والقضاء به من بيان لكتاب اللّه تعالى وقالوا أيضا ان أحاديث الاحكام الأصول خمسمائة حديث تمدها أربعة آلاف فيما أذكر ( 3 ) إجماع الأمة واتفق الأئمة على الاحتجاج باجماع الصحابة في الدينيات ، وفي إجماع المجتهدين بعدهم تفصيل ( 4 ) اجتهاد الأئمة والامراء والقضاة والقواد في الأمور القضائية والسياسية والإدارية والحربية ، وخصه بعض الفقهاء بالقياس وأنكر بعضهم القياس وقيده آخرون كما فصلنا ذلك في تفسير آية ( 5 : 101 ) وورد في هذا الترتيب أحاديث وآثار تدل على العمل به في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والخلفاء الراشدين ( منها ) حديث معاذ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما أرسله إلى اليمن قال له « كيف تصنع إذا عرض لك قضاء ؟ » قال أقضي بما في كتاب اللّه ، قال « فإن لم يكن في كتاب اللّه ؟ » قال فبسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « فإن لم يكن في سنة رسول اللّه » قال أجتهد رأيي لا آلو . قال معاذ : فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صدري ثم